ابراهيم بن عمر البقاعي
177
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما أخبر تعالى أنه لا يقع في ذلك اليوم ظلم أصلا تسبب عنه الإنكار على من حدثته نفسه بالأماني الكاذبة ، فظن غير ذلك من استواء حال المحسن وغيره ، أو فعل فعلا وقال قولا يؤدي إلى ذلك كالمنافقين وكالمقبلين على الغنيمة فقال تعالى : أَ فَمَنِ اتَّبَعَ أي طلب بجد واجتهاد رِضْوانَ اللَّهِ أي ذي الجلال والإكرام بالإقبال على ما أمر به الصادق ، فصار إلى الجنة ونعم الصبر كَمَنْ باءَ أي رجع من تصرفه الذي يريد به الربح ، أو حل وأقام بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ أي الملك الأعظم بأن فعل ما يقتضي السخط بالمخالفة ثم الإدبار لولا العفو وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ أي جزاء بما جعل أسباب السخط مأواه وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * أي هي . ولما أفهم الإنكار على من سوّى بين الناس أنهم متمايزون صرح بذلك في قوله : هُمْ دَرَجاتٌ أي متباينون تباين الدرجات . ولما كان اعتبار التفاوت ليس بما عند الخلق قال : عِنْدَ اللَّهِ أي الملك الأعلى في حكمه وعلمه وإن خفي ذلك عليكم ، لأن اللّه سبحانه وتعالى خلقهم فهو عالم بهم حين خلقهم وَاللَّهُ أي الذي له جميع صفات الكمال بَصِيرٌ أي بالبصر والعلم بِما يَعْمَلُونَ * أي بعد إيجادهم ، لأن ذلك أيضا خلقه وتقديره ، وليس لهم فيه إلا نسبته إليهم بالكسب ، فهو يجازيهم بحسب تلك الأعمال ، فكيف يتخيل أنه يساوي بينهم في المآل وقد فاوت بينهم في الحال وهو الحكم العدل ! فعلم بما في هذا الختام من إحاطته بتفاصيل الأعمال صحة ما ابتدىء به الكلام من التوفية . ولما أرشدهم إلى هذه المراشد ، وبين لهم بعض ما اشتملت عليه من الفوائد ، وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك على لسانه صلّى اللّه عليه وسلّم بما له من الفضائل التي من أعظمها كونه من جنسهم ، يميل إليهم ويرحمهم ويعطف عليهم ، فيألفونه فيعلمهم ؛ نبه على ذلك سبحانه وتعالى ليستمسكوا بغرزه ولا يلتفتوا لحظة عن لزوم هديه فقال سبحانه وتعالى - مؤكدا لما اقتضاه الحال من فعل يلزم منه النسبة إلى الغلول - : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ أي ذو الجلال والإكرام عَلَى الْمُؤْمِنِينَ خصهم لأنهم المجتبون لهذه النعمة إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ أي فيما بينهم أو بسببهم رَسُولًا وزادهم رغبة فيه بقوله : مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي نوعا وصنفا ، يعلمون أمانته وصيانته وشرفه ومعاليه وطهارته قبل النبوة وبعدها يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي فيمحو ببركة نفس التلاوة كبيرا من شر الجان وغيرها مما ورد في منافع القرآن مما عرفناه ، وما لم نعرفه أكثر وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهرهم من أوضار الدنيا والأوزار